ابن الجوزي

308

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فاستصغرت أمره وهان عليّ لما رأيته في تلك الحال ، وسولت لي نفسي قتله ، فلما قرب من الدار إذا بسواد عظيم ، فقلت : ما هذا السواد ؟ فقيل : الخيل فوافى يا أمير المؤمنين زهاء عشرة آلاف عنان ، فكانت موافاة الخيل إلى الدار وقت دخوله ، فأحدقوا بها ، ثم دخل إليّ فلما نظر إليّ [ 1 ] قال لترجمانه : أين الرجل ؟ فأومأ الترجمان إلي ، فلما نظر إليّ وثبت إليه ، فأعظم ذلك وأخذ بيدي فقبلها ووضعها على صدره ، وجعل يدفع ما على الفسطاط برجله فشوش الفرش ، فظننت أن ذلك شيء يجلَّونه أن يطأ على مثله ، حتى انتهى إلى الأرض ، فقلت لترجمانه : سبحان الله ، لم لا يصعد على الموضع الَّذي وطئ له ؟ فقال : قل له إني ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعا لعظمة الله سبحانه إذ رفعه الله ، ثم أقبل ينكث بإصبعه الأرض طويلا ، ثم رفع رأسه فقال لي : كيف سلبتم هذا الملك وأخذ منكم وأنتم أقرب إلى نبيكم ؟ فقلت : جاء من كان أقرب قرابة إلى نبينا صلى الله عليه وسلَّم ، فسلبنا وطردنا ، فخرجت إليك مستجيرا باللَّه عز وجل ثم بك ، قال : فلم كنتم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم ؟ فقلت : فعل ذلك عبيد وأتباع دخلوا في ملكنا من غير رأينا ، قال : فلم كنتم تركبون وعلى دوابكم الذهب والفضة ، وتلبسون الديباج وقد حرم ذلك عليكم ؟ قلت : عبيد وأتباع وأعاجم دخلوا في مملكتنا [ من غير رأينا ] [ 2 ] قال : فلم كنتم أنتم إذا خرجتم إلى صيدكم عبرتم [ 3 ] على القرى وكلفتم أهلها ما لا طاقة لهم بالضرب الوجيع ثم لا يقنعكم ذلك حتى تموشوا زروعهم فتفسدوها في طلب دراج قيمته درهم أو في عصفور قيمته لا شيء ، والفساد محرم عليكم في دينكم ؟ قلت : عبيد وأتباع ، قال : لا ولكنكم استحللتم ما حرم الله عليكم ، وأتيتم ما نهاكم عنه ، فسلبكم الله العز ، وألبسكم الذل ، وللَّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد ، وإني أتخوف أن تنزل بك النقمة من الظلمة فتشملني معك ، وإن النقمة إذا نزلت عمت وشملت ، فأخرج بعد ثلاث فإنني إن أخذتك بعدها أخذت جميع ما معك وقتلتك وقتلت جميع من معك ، ثم وثب فخرج . فأقمت ثلاثا وخرجت إلى مصر فأخذني وليك فبعث بي إليك ، وها أنا ذا والموت

--> [ 1 ] في الأصل : « فلما نظرني » . وما أوردناه من ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 3 ] في ت : « تقحتم » .